5 ن م: إلغاء النصوص التشريعية – م 46 من قانون الأحوال المدنية - الساقط لا يعود
Home Icon 2025-11-10
Home Icon د. عياد دربال

طرق إلغاء النصوص التشريعية – المادة 46 من قانون الأحوال المدنية: سقوط نصها من مصادر القانون


القاعدة

الإلغاء لغةً، الفسخ والإبطال والإنهاء والإسقاط والإزالة. وإلغاء التشريع، في القانون، هو دفع حكمٍ قانونيٍّ بآخر متراخٍ عنه بحيث يفضي، صراحةً أو ضمناً، إلى إنهاء سريانه وتجريده من قوته الملزمة، إما لتوقف الحاجة إليه، وإما لإحلال حكمٍ بديل مكانه. إلغاء التشريع يُسقطه من المصادر الرسمية للقانون، فيمتنع من بعدُ تطبيقه. وليتحقق ويُحدث أثره، لا يُشترط تقريرُه بلفظه، بل يغني استعمال ألفاظ أو عبارات أخرى تعطي المدلولَ ذاته؛ كالاستبدال والإيقاف والتعديل.

إنزالاً لآثار متوالية الإلغاء التي أُجريت على المادة 46، فإن كل النصوص التعديلية السابقة كانت أُسقطت من مصادر القانون ومن ثم لزم انقطاع العمل بها. ولا يصح بأي حالٍ القولُ إن إلغاء المشرع لتعديل 1998 يقتضي اللجوء إلى النص الأسبق الذي كان أحلَّه محله. ولا يستقيم القول إن هذا هو مراد الشارع، وذلك لما هو مقرر من أن الأصل إجراء النصوص على المفهوم الظاهر، وألا يُصار إلى التأويل إلا عند استشكال ألفاظها. وحيث إن نص القانون 7 لسنة 2013 بلغ في الوضوح أتمه، فإنه يمتنع تأويله إلى ما يتجاوز المعنى الحرفي لعباراته في سياقها، ثم إنه لا يجوز إعمال أيٍّ من النصوص الملغاة تأسيساً على إرادة تشريعية مفترضة لما ينطوي عليه هذا من تحريف للإرادة الظاهرة وانحراف عن النصوص الصريحة واستنطاق لها بما لا تحتمل.


الطعن ضد:

1.     رئيس الحكومة المؤقتة؛

2.      وزير الحكم المحلي؛

3.      رئيس مصلحة الأحوال المدنية.

ملخص

أقام الطاعن الدعوى ... أمام محكمة ... الابتدائية مختصماً المطعون ضدهم، طالباً القضاءَ له بإلزامهم بتغيير اسم ابنته القاصرة، وبإثبات التغيير في سجلات واقعات الأحوال المدنية. أجابته المحكمة إلى طلبه، فاستأنف المطعون ضدهم الحكم أمام محكمة استئناف ... التي قضت بإلغائه، وبعدم اختصاص محكمة أول درجة نوعياً بنظر الدعوى. وهذا هو الحكم المطعون فيه.

المسألة والرأي

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه مخالفة والخطأ في تطبيقه وتفسيره بما حاصله أنه: لما كانت المادة 46 من القانون 36 لسنة 1968 بشأن الأحوال المدنية، وهي التي تقضي باختصاص المحكمة الجزئية بالفصل في دعاوى التغيير في قيود واقعات الأحوال المدنية، خضعت لعدة تعديلات انتهت بذاك الوارد في القانون 7 لسنة  1998، وكان القانون 15 لسنة 2013 بتعديل قانون الأحوال المدنية ألغى ذلك القانون دون أن يعيد تنظيم أحكام التغيير، فإن لازم هذا أن نص المادة 46 صار معدوماً، ولزم من ثم الاحتكام إلى القواعد العامة في الاختصاص، وهذه تنيطه بالمحكمة الابتدائية. وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك، فهو معيبٌ فمتعين النقض.

وحيث إن ما ذهبت إليه المحكمة المطعون في حكمها هو أن القانون 15 لسنة 2013 ألغى التعديل الصادر بالقانون 7 لسنة 1998 بشأن تعديل أحكام قانون الأحوال المدنية، "وأعاد بموجبه الاختصاص وفقاً للتعديل الذي طرأ على المادة 46 بالقانون رقم 7/1988 [الذي] أجاز تعديل الاسم الأول واللقب وأعطى الاختصاص للمحكمة الجزئية وهو الواجب التطبيق على الواقعة والذي لا تتعارض أحكامه مع القانون رقم 15/2013."

وحيث إن مِلاك ما يثيره النعيُ من مسألة قانونية يكمن في حقيقة الأثر القانوني لإصدار المشرع قانوناً يلغي به نصاً تشريعياً كان قد نسخ به نصاً قبله دون أن يأتي هذا القانونُ بتنظيم جديد لموضوع ذلك النص. فهل يعود للنص المنسوخ سارياً من جديد، كما هو مذهب المحكمة المطعون في حكمها؟ أم أن النص الناسخ أعدمه ابتداءً، تماماً كما فعل القانون الجديد بهذا الناسخ، وإذن، فكما لا يجوز استرجاع ما ألغاه هذا القانون، لا يجوز استرجاع ما ألغاه ذاك؟ وهو مدلولُ مذهب الطاعن.

وحيث إن المحكمة العليا أعملت، بعد صدور القانون 15 لسنة 2013، نص المادة 46 في عدة طعون نظرتها، ومنها الطعنان المدنيان: 2447/57ق؛ 384/64ق، وهو ما ينبئ عن تبنيها مبدأ عودة العمل بالنص التشريعي الملغى بعد إلغاء النص أو القانون الذي كان ألغاه، بل إنها تصدَّت مباشرةً للمسألة في الطعن المدني 162/64ق، حيث قضت بأنه:

"ومفاد ذلك أن نص المادة 46 من القانون رقم 36/1968 بشأن الأحوال المدنية التي نصت على اختصاص المحكمة الابتدائية بنظر دعاوى تعديل تاريخ الميلاد قد طرأت عليه عدة تعديلات ... آخرها التعديل بالقانون رقم 15 لسنة 2013 الذي ألغى القانون رقم 7 لسنة 1428-1998 الذي لم ينص على إلغاء القانون رقم 7/1988 المعمول به قبل صدوره واقتصر على النص على عدم جواز تعديل تاريخ الميلاد أو مكانه ما لم يثبت بحكم نهائي تزويرها وهو ما ألغاه القانون رقم 15 لسنة 2013 الذي أجاز تعديل تاريخ الميلاد أو الوفاة للمحكمة الجزئية طبقاً للقانون رقم 7/1988 الذي لا تتعارض أحكامه مع القانون رقم 15 لسنة 2013، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر ... فإنه يكون قد خالف القانون."

وحيث إن هذه الدائرة تتجه إلى أن تنحو نحواً مغايراً، لذا فإنها تحيل الدعوى إلى الدوائر مجتمعة، عارضةً رأيها بالعدول عن المبدأ القانوني المستنبط من هذا الحكم، وبتقرير أن تعديل عام 2013 ألغى نص المادة 46 الذي جاء به تعديل 1998، وأنه ترتب على هذا إعدامُ الوجود القانوني لنص هذه المادة، وهو ما يفرض الاحتكام إلى القواعد العامة في شأن الموضوعات التي كان ينظمها. وفي إسناد رأيها، تبسط الدائرةُ أمام الدوائر مجتمعةً الأسبابَ التي بنته عليها في الآتي:

حيث إنه، ولئن لم ينظم المشرع المسألةَ المطروحة بنصٍّ مباشرٍ كذاك الذي تبنته تشريعاتٌ عربيةٌ قضت بأنه: "إذا ألغى نصٌّ تشريعيٌّ نصاً تشريعياً ثم أُلغيَ النصُّ التشريعي اللاحق، فلا يترتب على هذا الإلغاء إعادةُ العمل بالنص السابق إلا إذا نُصَّ صراحة على ذلك"، إلا أن في نصوص القانون من القواعد العامة ما يجزئ في حسم المسألة. وبياناً لذلك، تسلك هذه الدائرة طريقين: الأول، تحدد فيه الآثار القانونية للتعديلات المتتابعة التي خضعت لها المادة 46؛ وتستقرئ في الثاني نصوص القانون 15 لسنة 2013، تحرياً لقصد الشارع منها.

أما الطريق الأول، وهو مآل النصوص المعدَّلة، فبيانه في التالي:

حيث إن المرجع التشريعي في أحكام إلغاء القوانين هو المادة الثانية من القانون المدني. وحيث إنه عملاً بها، يصير النصُّ التشريعي ملغىً بطريق من اثنين: صريح، ويكون بتشريعٍ لاحقٍ يقضي بلفظ واضح بإلغائه كلياً أو جزئياً؛ وضمني، بأن يتضمن التشريعُ اللاحق نصاً متعارضاً معه أو مع بعضه، أو أن ينظم من جديد موضوعتَه.

وحيث إن معنى الإلغاء لغةً يدور بين الفسخ والإبطال والإنهاء والإسقاط والإزالة، وإن إلغاء التشريع، في القانون، هو دفع حكمٍ قانونيٍّ بآخر متراخٍ عنه بحيث يفضي، صراحةً أو ضمناً، إلى إنهاء سريانه وتجريده من قوته الملزمة، إما لتوقف الحاجة إليه، وإما لإحلال حكمٍ بديل مكانه. لهذا، فإلغاء التشريع يُسقطه من المصادر الرسمية للقانون، فيمتنع من بعدُ تطبيقه.

وليتحقق الإلغاء ويُحدث أثره، لا يُشترط تقريرُه بلفظه، بل يغني استعمال ألفاظ أو عبارات أخرى تعطي المدلولَ ذاته؛ كالاستبدال والإيقاف والتعديل.

لما كان ذلك، فإن سحبه على التعديلات المتعاقبة التي خضع لها قانون الأحوال المدنية في المادة 46 يفرض تتبُّعَها فرادي استبانةً لآثار كلٍّ منها على التوالي.

وحيث إن المشرع جاء في التعديل الأول الصادر بالقانون 59 لسنة 1973 بشأن تعديل بعض أحكام قانون الأحوال المدنية، ونص في المادة الأولى على أن: "يستبدل بنص الفقرة الأولى من المادة 46 من القانون 36 لسنة 1968 المشار إليها النصُّ الآتي: ...." وحيث إن النص بهذه المقدمة قاطعٌ في الدلالة على اتجاه إرادة المشرع إلى إلغاء نص الفقرة المعنية وإحلال النص الجديد محلَّها، وإذن فهذا مفضٍ إلى إخراج النص المنسوخ من حظيرة المصادر الرسمية للقانون وإنهاء العمل به، وإلى حلول النص الجديد محله واندماجه في نص المادة 46 ليصير جزءاً منه، حتى إنه يُنسَب إلى قانون الأحوال المدنية لا إلى الذي استحدثه.

وحيث إن المشرع عاد وأجرى على المادة نسخاً آخر بالقانون 7 لسنة 1988 بتعديل بعض أحكام قانون الخدمة المدنية، وذلك بتقريره صراحةً استبدالَ نص جديد بنصها بكلِّ فقراته. وحيث إن هذا إلغاءٌ صريحٌ للنص القائم آنذاك، فإنه موجبٌ لإنهاء العمل به ولإعدام وجوده القانوني كلياً، ليصير النصُّ الجديد نصاً للمادة 46 وأصلَ القانون في المسائل التي ينظمها.

لم ينته المشرع عند ذلك، إذ سنَّ القانون 7 لسنة 1998 بشأن تعديل أحكام قانون الأحوال المدنية ليستحدث تعديلاً آخر على النص، فقضى في مادته الأولى بأن: "تعدَّل المواد 2، 10، 21، 46 من القانون رقم 36 لسنة 1968بشأن الأحوال المدنية، بحيث يجري نصها على النحو التالي: ...." وبموجبه وضع نصاً جديداً للمادة 46 نظم به مسائل النص السابق جمعاء.

وهذه الدائرة في استخلاصها معنى النص من منطوقه، لا تلقي وزناً لما قد يستثيره استعمال المشرع هنا لفظَ "تعدَّل" لا "تستبدَل". فقد يتراءى، بسبب أن مفهوم التعديل هو التغيير الجزئي في الشيء لا الكلي، أن الإلغاء لا يطال المتشابه من الأحكام في النصين، بل يقتصر على ما استُحدث حكمٌ جديدٌ بشأنه. وعلى هذا الفهم، فما طابق فيه النصُّ الجديدُ السابقَ لا يكون إلا توكيداً له، فإذا ما زال المؤكِّد، بقي المؤكَّد عليه، وهكذا فلا يتحقق الانعدام القانوني إلا لما نُظِّم بحكم جديد. فهذا فهمٌ غيرُ صائب لتعارضه مع أحكام القانون في الإلغاء والتي تفرض انعدام الكيان القانوني للنص الملغى بصرف النظر عن محتواه. فمن ناحية، يُعَدُّ نص المادة 46 السابق لصدور هذا القانون مُلغىً صراحةً بمجرد إقدام المشرع على إحلال نص آخر محله، أيَّاً كانت الصيغة المتبناة. ولا أظهر في الدلالة على الإلغاء من استحداث نص جديد للمادة. ومن ناحية أخرى، يجزئ عن الخوض في ثنايا هذا التأصيل استحضارُ الصورة الثانية للإلغاء الضمني للنص التشريعي، وهي إلغاؤه بطريق تنظيم موضوعه من جديد. فإذا كانت هذه الصورة، زال النص السابق كلياً، ولزم انقطاع العمل به، بصرف النظر عما قد يتضمنه من أحكام متوافقة مع النص الجديد. وحيث إن التعديل المنظور سنَّ لموضوع المادة 46 نصاً شاملاً قائم الذات، لزم عنه أن المشرع أعاد تنظيمه، فينسخ هذا التنظيمُ النصَّ السابق بجملته ويحل محله.

لما كان ذلك ما انتهت إليه هذه الدائرة في طريقها الأول لحسم المسألة، فإنها تصير إلى الطريق الثاني، مستصحبةً ما سلف من أحكام، وذلك لتتبين به مراد الشارع من تعديله الأخير بالقانون 15 لسنة 2013.

وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه متى كان نص القانون واضحاً، مصوغاً بألفاظ وعبارات لا غموض فيها ولا إبهام، لزم الوقوفُ عندها في استنباط الحكم منه. فلا يصح تأويلُه واستلهامُ إرادةٍ مفترَضة للمشرع وقت سنِّه له إلا عند استشكالِ الصياغة وقصورِها عن الكشف عن مراده.

وحيث إن المادة الأولى من القانون المذكور تنص على أن "يُلغى التعديل الصادر بموجب القانون رقم (7) لسنة 1428م [1998]." وحيث إن عبارة النص على هذا النحو تبلغ في الوضوح حداً يمنع الانحراف عن معناها الحرفي المتبادر، لذا يتعين استجلاء مراد الشارع من هذا المعنى. وحيث إن دلالتَها اللغوية إلغاءُ ما جاء به القانون 7 من نصوص جديدة، منها نص المادة 46، فإن حاصل هذا أن المشرع أخرج نص هذه المادة، القائم آنذاك، من حظيرة المصادر الرسمية للقانون، وهو ما يستتبع امتناع العمل به. وبعبارة أخرى، فإن نصه على إلغاء التعديل الذي كان قرره بالقانون المذكور على نص المادة 46 يعني حرفياً إلغاءه لنصها القائم، إذ إنه ما جاء به ذلك القانون، ومن ثم وجب حذفه من هذه المادة.

وحيث إنه لا استعاض المشرعُ عن هذا النص بنصٍ جديد، ولا أحال إلى آخرَ كان ألغاه قبلاً، فإن عباراته في القانون 15 لسنة 2013 تكون كاشفةً بشكلٍّ مُبين عن إرادته إلغاءَ الكيان القانوني لنص المادة، وهو ما ينبئ بحكم اللزوم عن تقصُّده إخضاعَ الموضوعات التي كان ينظمها بهذا النص للأحكام العامة في القانون. وأما الركون إلى تحري حكمةٍ تشريعية مفترضة، فعملٌ يلجمه بيانُ الألفاظ، ويرفضه استقراؤها باستحضار قواعد الإلغاء المبسوطة آنفاً، فضلاً عن أن صراحة الإرادة في هذا المقام مستلزَمةٌ لا بسبب ما ينبغي أن يَصبغ نصوص التشريع من سمة الوضوح فحسب، بل ولتعلق الأمر بكيان النص في ذاته.

وأما ما ذهبت إليه هذه المحكمة في الطعن المدني 162/64ق من أن القانون 15 لسنة 2013 ألغى القانون 7 لسنة 1998، وأن هذا الأخير "لم ينص على إلغاء القانون رقم 7/1988 المعمول به قبل صدوره[،] واقتصر على النص على عدم جواز تعديل [قيود] تاريخ الميلاد أو مكانه ما لم يثبت بحكم نهائي تزويرها"، وأن هذا هو ما ألغاه القانون 15 لسنة 2013 الذي تقول المحكمة، إنه "أجاز تعديل تاريخ الميلاد أو وفاته للمحكمة الجزئية طبقاً للقانون رقم 7/1988 الذي لا تتعارض أحكامه مع القانون رقم 15 لسنة 2013"، فإن الظاهر أن هذا الذي ذهبت إليه المحكمة مذهبٌ لا يستقيم، لا مع ألفاظ نصوص القانونين: 7 لسنة 1998 و15 لسنة 2013، ولا مع القواعد العامة في إلغاء النصوص التشريعية.

فمن جهة، لا شأن للقانون 7 لسنة 1998 بالقانون 7 لسنة 1988 حتى يصحَّ استنباطُ حكم من عدم إلغائه له. فما هذا بموضوعٍ لذاك، وإنما نص المادة 46 الذي كان قائماً وقت صدوره وبصرف النظر عن أصله التشريعي. فقد اندمج هذا النص في قانون الأحوال المدنية ذاته، وصار جزءاً منه ومنسوباً إليه. ومصداقاً لهذا، دأب المشرع على تسمية كل القوانين المعدِّلة بـ "تعديل قانون الأحوال المدنية"، وعلى نسبة النص المعدَّل إلى قانون الأحوال المدنية لا إلى القوانين التي استحدثته. ولما كان إلغاء النص بتشريع لاحق، وفق ما مر، يعدم وجوده القانوني، فلا أثر إذن لعدم إلغاء قانون 1998 لتشريع التعديل الذي سبقه، ولذا فلا يسوغ استلهام أي حكم قانوني منه. بل إن النص عليه ما كان ليضيف أيَّ معنى والحال أن القيمة القانونية لذلك التشريع زالت ابتداءً بقوة القانون بمجرد نسخ النص الذي جاء به. وعليه، فزوال النص متحققٌ حتماً ودون حاجة لما تلمح إليه المحكمة من توقفه على إلغاء القانون الذي جاء به.

ومن جهة ثانية، فإن تعديل 1998، وخلافاً لما نسبته إليه المحكمة، لم يقتصر نصه على تقييد تعديل تاريخ الميلاد ومكانه، بل جاء شاملاً لينظم موضوع تعديل قيود واقعات الأحوال المدنية بجملته، موافقاً النصَّ الذي سنَّه تعديل 1988 في بعض أحكامه، مخالفاً له في الأخرى. وعلاوة على ما قضى به هذا القانون من إلغاء صريح لهذا النص، حسْبُ المشرع أنه أعاد تنظيم الموضوع ليتحقق بالضرورة الزوال القانوني له بصرف النظر عن محتواه.

لما كان ما تقدم، وإنزالاً لآثار متوالية الإلغاء التي أُجريت على المادة 46، فإن كل النصوص التعديلية السابقة كانت أُسقطت من مصادر القانون، فلا يصح بأي حالٍ القولُ إن إلغاء المشرع لتعديل 1998 يقتضي اللجوء إلى النص الأسبق الذي كان أحلَّه محله. ولا يستقيم القول إن هذا هو مراد الشارع، وذلك لما هو مقرر من أن الأصل إجراء النصوص على المفهوم الظاهر، وألا يُصار إلى التأويل إلا عند استشكال ألفاظها. وحيث إن نص القانون 7 لسنة 2013 المبسوط آنفاً بلغ في الوضوح أتمه، فإنه يمتنع تأويله إلى ما يتجاوز المعنى الحرفي لعباراته في سياقها، ثم إنه لا يجوز إعمال أيٍّ من النصوص الملغاة تأسيساً على إرادة تشريعية مفترضة لما ينطوي عليه هذا من تحريف للإرادة الظاهرة وانحراف عن النصوص الصريحة واستنطاق لها بما لا تحتمل.

وحيث إنه لما كان مذهب حكم المحكمة العليا المشار إليه يخالف التأصيل القانوني المتقدم، وكان رأي هذه الدائرة مؤسساً على ما يحمله من نصوص القانون والقواعد العامة في التفسير والإلغاء، فإن المبدأ القانوني الذي ينطوي عليه هذا الرأي يصير الأَولى بالإرساء.

النتيجة

القرار بوقف السير في الطعن، وإحالته إلى دوائر المحكمة العليا مجتمعة، مع الرأي بالعدول عن المبدأ القانوني الذي قرره الحكم الصادر في الطعن المدني 162/64ق، وإرساء مبدأ فحواه أن إلغاءَ القانون 15 لسنة 2013 بتعديل قانون الأحوال المدنية لتعديل المادة 46 من قانون الأحوال المدنية الصادرِ بموجب القانون 7 لسنة 1428م (1998) جرَّد هذه المادة من نصِّها.